بين (اللينبي) و(غورو): صلاح الدين باقٍ

أحمد مظهر سعدو


الحضور الكبير والطاغي للشخصية التاريخية الإسلامية/العربية صلاح الدين الأيوبي، كان ومايزال واضحًا وضخمًا حتى يومنا هذا، نتيجة مافعله من بناء حديث للجيش المتمكن، وامتلاكه القوة والوعي والإدراك لطبيعة تلك المرحلة في حيوات المسلمين الحضارية كافة، حيث تمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من مقارعة والتصدي لهجمات واحتلالات الصليبيين، ومن ثم طردهم من بلاد العرب والمسلمين، وقد كانت المعركة الشهيرة (حطين) التي خاضها صلاح الدين مع جيش المسلمين فكانت المعركة الفاصلة بين الصليبيين والمسلمين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، التي جرت يوم السبت 25 ربيع الثاني 583 هـ الموافق لليوم الرابع من شهر  تموز/ يوليو 1187 م في منطقة بين مدينة الناصرة والبحيرة الشهيرة (طبريا) حيث  انتصر فيها المسلمون، وأصبح الصليبيون في وضع لايحسدون عليه استراتيجيًا ضمن طوق من قوات القائد صلاح الدين، أسفرت عن تحرير  بيت المقدس،  وكذلك جميع الأراضي التي احتلها الغرب الصليبي،  كما أضحت درسًا قويًا ومهماً لكل من يحاول التطلع نحو إعادة احتلاله لهذه البلاد المقدسة. من هنا فقد كانت الحالة الانتصارية الكبرى التي صنعها هذا القائد في مخيال الغرب عمومًا، ومن أتى بعد ذلك، من ضباط وقيادات عسكرية همًّا وثأرًا يعشش في مكنونات النفوس الغربية، ويجعل من غزوات وتحركات الاستعمار الفرنسي والإنكليزي بعد ذلك، نحو المشرق العربي والإسلامي بمثابة الرد في مجموعها على انتصارات صلاح الدين، ومحاولة جادة لقبع البنية الحضارية التي رسمها في تاريخ العالم هذا القائد الفذ المعبر عن دور الإسلام وقدرته على تصدير الحضارة، ليكون الغرب نفسه من يدرك أن العالم بقضه وقضيضه لم يعرف أبدًا فاتحًا عسكريًا أرحم من العرب والمسلمين. وقد استطاع القائد صلاح الدين الأيوبي أن يعيد بناء الحضارة العربية الإسلامية استرشادًا بمن سبقه وصنعه من الخلفاء الراشدين بعد الرسول محمد (ص)  فكان الرد حاضرًا عبر غزوات همجية متلاحقة قام بها الغرب تجاه المنطقة برمتها، حيث جاء الجنرال(اللينبي) ليقول مخاطبًا قبر صلاح الدين الأيوبي (ها نحن عدنا يا صلاح الدين) .

الجنرال أللنبي الذي مات فى 15 أيار/مايو 1936، ويذكره العرب والمصريين جيدًا، وأهل بور سعيد يحرقون دمية على هيئته كل عام، بينما يذهب بعض الرواة إلى أن الجنرال أللنبى وقف على قبر القائد المسلم الشهير صلاح الدين الأيوبى وقال له "ها نحن عدنا يا صلاح الدين".

 

وقد عرف المصريون الجنرال أللنبى بعدما أُرسل إلى مصر ليكون القائد الأعلى لقوة التجريدة المصرية فى 27 حزيران/يونيو 1917، ليحل محل السير أرشيبولد مارى، واستطاع أللنبى أن يدخل مدينة القدس ويعلن وقوعها تحت الانتداب البريطاني، والذى ترتب عليه بعد ذلك وعد بلفور المشؤوم الذى سمح لعصابات الصهاينة بالإستيلاء على أرض فلسطين.

وعمومًا فإن قصة وقوف الجنرال أللنبى على قبر صلاح الدين الأيوبى غير مؤكدة، حيث تشير الكتب إلى آخرين. وهناك روايات تاريخية كثيرة ومتخالفة راحت تنسب هذه العبارة المستفزة والوقحة إلى الجنرال الفرنسي(هنري غورو) الذي دخل دمشق مع قوات فرنسا محتلاً أرض سورية وبلاد الشام، وهناك من ينسبها إلى ضابط فرنسي آخر كان قد سبق (هنري غورو) إلى دمشق هو الجنرال (ماريانو غوابيه). الذي قاد معركة ميسلون في مواجهة البطل يوسف العظمة ومن معه، ومن ثم دخول القوات الفرنسية إلى دمشق يوم 25 تمّوز/ يوليو 1920 .

إذ أنه وبعد الانتداب البريطانى في فلسطين، ودخول القوات الفرنسية، دمشق، قام قائد القوات الفرنسية فى الحرب العالمية الأولى، الجنرال (هنرى غورو)، بالتوجه نحو ضريح صلاح الدين الأيوبى، حسبما ذكر اللواء راشد الكيلانى فى مذكراته، وقال: «يا صلاح الدين أنت قلت لنا إبان حروبك الصليبية: إنكم خرجتم من الشرق ولن تعودوا إليه، وها نحن عدنا فانهض لترانا فى سورية".

ومهما اختلفت الروايات  فإن التفسير المنطقي لهذا الحقد الوقح إنما يعبر عن مدى ضخامة حجم الأثر الذي تركته انتصارات صلاح الدين الأيوبي في نفوس الغرب الصليبي بكليته، وعن مدى الشعور بالهزيمة التاريخية التي كان قد سطرها القائد صلاح الدين، والتي خلقت حضاريًا إمكانية النصر على الغرب (المنتفج)، والذي كان يظن نفسه قد قضى على المسلمين والعرب إلى غير رجعة، وهذا يشير أيضًا إلى أهمية استمرار الصراع التاريخي بين والعرب والمسلمين، من جهة، وبين الغرب الصليبي، الذي لايبدو أنه قد تغير كثيرًا في مواقفه تجاه بلاد المسلمين كافة.